الشيخ محمد رشيد رضا
59
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
منها بأن ذلك يعمل في الأجساد وقصدت به النبي عليه السّلام فأطلع اللّه نبيه على موضع سرها ، وأظهر جهلها فيما ارتكبت وظنت ليكون ذلك من دلائل نبوته ، لا ان ذلك ضره ، وخلط عليه أمره ، ولم يقل كل الرواة انه اختلط عليه أمره وانما هذا اللفظ زيد في الحديث ولا أصل له « 1 » « والفرق بين معجزات الأنبياء وبين ما ذكرنا من وجوه التخييلات ، ان معجزات الأنبياء عليهم السّلام هي على حقائقها ، وبواطنها كظهائرها ، وكلما تأملتها ، ازددت بصيرة في صحتها ، ولو جهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها ظهر عجزهم . ومخاريق السحرة وتخييلاتهم انما هي ضرب من الحيلة والتلطف لاظهار أمور لا حقيقة لها ، وما يظهر منها على غير حقيقتها ، يعرف ذلك بالتأمل والبحث ومتى شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره ، ويأتي بمثل ما أظهره سواه » اه هذا جل ما قاله أبو بكر الجصاص في معنى السحر وحقيقته وعقد بعده بابا في ذكر قول الفقهاء فيه وما تضمنته الآية من حكمه وما يجرى على مدعي ذلك من العقوبات ومنها القتل كفرا في بعض أنواعه المتضمنة للشرك والمستلزمة للريب
--> ( 1 ) انكر الجصاص الحديث المروي في ذلك - وكذلك الأستاذ الامام - لمعارضته للقرآن وما فيه من الشبهة على عصمة النبي « ص » حتى في امر التبليغ مع أنه مروي في الصحيحين لان من علامة الحديث الموضوع مخالفته للقطعي من القرآن وغيره ، ومثل هذا انكار النووي لما روي عن ابن مسعود « رض » من انكار كون المعوذتين من القرآن مع صحة سنده . والجمهور يؤولون هذا وذاك ويغرهم ان المقلدين يسلمون لهم كل تأويل ولو متكلفا وينسون ان أعداء الاسلام ومستقلي الفكر من غيرهم لا يقبلون التأويل المتكلف الذي لا يطمئن له القلب ، والظاهر أن الجصاص لم يطلع على روايات الشيخين في مسألته كاطلاع النووي على جميع الروايات في مسألته . وفيهما ان الذي سحر النبي « ص » هو لبيد بن الأعصم اليهودي لا امرأة ، ومذهب الأشعرية أن للسحر تأثيرا حقيقيا وليس كله حيلا ومنه انه أثر في جسم النبي « ص » وخياله دون عقله وروحه فكان يخيل اليه أنه أني نساءه ولم يكن اتاهن ولم يتجاوز هذا الحد ، وقال الأستاذ الامام ان هذا تأثير في النفس ومداركها ورسول اللّه اجل وأعظم من ذلك فنفسه أعلى الأنفس وأزكاها وأقواها فلا يمكن ان تؤثر فيها نفس خبيثة فاسدة